نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ١٣٢

وها هي الدّنيا قد انطوت صفحتها بكلّ ما كان فيها من تدافع وصراع وخصومة، وانتهى الجميع إلى مولاهم الحقّ ليفصل بينهم، وهو يوضّح جزاء كل فريق فيقول: (فَالذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}.

فما أبلغ التّعبير بالتقطيع للثياب، والتّقطيع المبالغة في القطع، وتقطيع الثّياب بمعنى تشكيلها على مقاس الأجسام لخياطتها، وتلك عملية يتباهى فيها المترفون ويتنافسون لإظهار الزّينة والإمعان في الخيلاء والكبرياء محادّين الله كما فعل قارون عندما ظهر في زينته. وكون الثّياب من النّار لأولئك الأشقياء وهي تلامس أجسامهم هو الجزاء الوفاق لكفرهم وكبريائهم. وليت الإحْراق يقتصر على الجلود بلمس ثياب النّار لها، وتسلم منها الأجهزة الدّاخلية، ولكن المشهد الرّهيب يبيّن انصباب الماء الحميم على الرّؤوس فتنصهر به الأحشاء في البطون. وهكذا يتمثل مشهد العذاب في صوره البشعة مما لا طاقة لتحمّله، حتى إذا حاول المجرمون الهروب منه تلقّتهم ملائكة العذاب بسياط من حديد تقمعهم فلا يبرحون، ثم هم يتلقون عبارات التّأنيب والتّقريع إمعانا في الإهانة والإذلال، إذ يقال لهم في تهكّم: (وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ}، ذلك هو جزاء الخصم الأول الشّقيّ.

فلا يكاد المشهد يتوارى عن خيال المتدبّر حتى يطالعه المشهد المريح في روضات الجنات تجري من تحتها الأنهار، يتفيأ ظلالها الفريق الثّاني، قال تعالى: (إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنَ اَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}.

٣٬٤٧٢ / ٦٬٢٠١