نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٣٨ويتفرع عن هذه الآية قضية فقهية ثار فيها خلاف ونقاش في حكم امتلاك الدّور في مكة وإجارتها. ويلخص القطب تلك الأقوال بقوله: "ويجوز بيع دور مكة وأرضها وكراؤها أوْلا؟، أو جاز في غير الموسم؟، أقوال."(1)
قلت: ومن التّسوية بين النّاس في أحقية التّعبّد بالمسجد الحرام أنه لا يجوز لأحد مهما علت منزلته أن يحجز لنفسه مكانا يختصّ به في المسجد فحيثما وجد أحد مكانا فليجلس، حتى وإن قمت منه لحاجة، فجلس في مكانك آخر فليس لك الحقّ أن تقيمه، وتعتبر تلك التّصرفات من الإلحاد المنهيّ عنه، وقد توعّد الله صاحبه بالعذاب الأليم، وعبّر عنه بالإذاقة؛ لأنها أشدّ الإحساسات تأثيرا في الدّنيا فكيف بعذاب الآخرة؟.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ}.
ومن التّنويه بشأن المسجد الحرام أن يبيّن الله تاريخ بنائه وإقامة قواعده، فيكون ذكر إبراهيم في عملية البناء للبيت إمعانا في توبيخ أحفاده الصّادّين للنّاس عن المسجد الحرام. ومعنى: (بَوَّأْنَا) جعله مَباءة، أي المنزل الذي يعود إليه الإنسان بعد الذّهاب منه. والمعنى: أذكر يا محمد الوقت الذي أسكن الله فيه إبراهيم مكان البيت؛ لأنه -كما قيل- قد اندرس ذلك المكان بالطوفان وغيره منذ العهود السّحيقة، حتى كان عهد إبراهيم عليه السلام فتوجّه بأمر الله إلى أرض مكّة، حيث دلّه الله على مكان البيت ليعيد بنائه، وقد تقدمت لقطات لكيفية بناء البيت في سورة البقرة.
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير: 7/ 388.