نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٥٨تأكّد الخبر بحرف "إِنَّ" وعبّر بالمضارع: (يُدَافِعُ) للحال والمآل والتّكرار والاستمرار، إذ مكّن الله للمؤمنين من أسباب ذلك حتى قبل أن يأذن لهم في القتال وهم في مكة يحتملون الأذى بصبر وثبات، وفرّوا بدينهم إلى الحبشة، وهم غير عاجزين عن الانتصار لأنفسهم في تلك الفترة، ولكن شاءت حكمة الله أن تمتد فترة التّربّص لتلك الطّائفة المؤمنة حتى تمحّصها الشّدائد وتجلوَ معدنها النّفيس، وكانوا كلّما حاولوا الدّفاع عن أنفسهم وطلبوا الإذن بذلك من رسول الله كان يقول لهم: «لم أؤذن بعد في القتال».
وحذف مفعول: (يُدَافِعُ) ليعمّ كلّ الشّرور التي يتعرض لها المؤمنون، وجيء بالموصول: (عَنِ الذِينَ ءَامَنُواْ) للدّلالة على أن الإيمان هو مبعث ذلك الدّفاع، ثم جيء لذلك بهذا التّعليل فقال: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) وهي تتضمّن الوعيد للذين أوغلوا في الخيانة والكفر. ونفي محبة الله عنهم كناية عن سخطه عنهم، وأنّ المؤمنين هم أحبّاؤه وأولياؤه، ومن ثمّ فهو ناصرهم ودافع أذى المشركين عنهم، وفي ذلك تمهيد لمشروعية القتال في قوله تعالى: (اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.
فلا مناص من المواجهة بين الخير والشّرّ، إذ ما يزال الباطل ينتفش ويجمح للبطش، ولا بدّ للحقّ أن يعدّ عدّته مادّيا ومعنويا لردّ العدوان وكبح جماح الباطل، فبعد أن بلغ عدوان المشركين مداه على رسول الله وأصحابه، وبعد أن استقرّوا بالمدينة المنوّرة، جاء الإذن الإلهي لهم بالقتال حتى يردعوا الفتنة، ويترجّح أنّ هذه الآية هي الأولى من أمثالها في القرآن الكريم، يأذن الله فيها للمؤمنين بقتال أعدائهم بعد أن بلغ عدوانهم مداه.