نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ١٦٥

وقوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِي) استفهام تعجيبي. والنّكير: هو زجر غيرك لتغيير الحالة التي هو عليها. والمعنى: هل رأيتم كيف كان نكيري على هؤلاء؟، فعليكم -أيها المؤمنون- أن تفعلوا مثل ذلك بأعدائكم فلا تقصّروا.

ثم قال تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرَوشِهَا وَبِيرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}:

(كَأَيِّن}: تدلّ على الكثرة اقترنت بفاء التّفريع على جملة: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِي}، والمعدود هي القرى الهالكة عندما يبيد الله أهلها، فتبقى بعض آثارهم شاهدة على مجالات نشاطهم كيف أصبحت بعد الهلاك، فتلك سقوف مهدّمة على الجدران وعلى كلّ ما تحويه البيوت من المتاع والزّينة، وهو تصوير مروّع للدّمار والخراب.

وما أنسب وصف التّعطيل للبئر، وذلك لاختفاء مظاهر الحياة حولها بعد انقطاع السّقي والورود؛ لأن فجوة البئر تبقى تحت سطح الأرض غالبا، وكلّ ذلك كان بسبب الظّلم الذي نسب إلى القرية ذاتها، للدّلالة على تمكّن الظّلم في ربوعها وبين ساكنيها. وذكر القصور المشيّدة في مخلّفات تلك القرى الهالكة يدلّ على أنهم كانوا من أصحاب التّرف والنّعيم، وغالبا ما تكون تلك القصور أوكارا للفسوق والفجور، وقد يكون أصحابها من علية القوم الذين يأنفون النّصح والإرشاد، كما وصف الله بذلك قارون، وكما قال في شأن أغنياء قريش، وهم يتطاولون على رسول الله وأصحابه بأموالهم، فقال تعالى: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ:35).

ثم يقول تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوَ اذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ}.

٣٬٥٠٥ / ٦٬٢٠١