نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٦٦السّير في الأرض تختلف مقاصده من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى. وكثيرا ما يرد في القرآن التّحريض عليه للنّظر والتّأمل في ما خلق الله، حتى ولو كان الضّرب في الأرض للارتزاق أو طلب العلم، ناهيك إذا كان للسياحة والتّفسّح. والمعنيون هنا هم المكذّبون برسول الله، سواء من كان منهم في وقت التّنزيل، أو من يكون على شاكلتهم من المكذّبين الغافلين. والاستفهام للتعجيب بمن سار وشاهد ولم يتّعظ، وبمن لم يسافروا كيف لم يتعظوا هم -أيضا- بما سمعوه من أخبار تلك الأمم الهالكة؟.
ونلاحظ أن الله جعل القلوب هنا محطّ العقل والإدراك بصفة عامّة، ثم خصّص بالذّكر الآذان -وهي حاسّة السّمع- والفائدة -والله أعلم- أن المسموعات أوسع مجالا عند المخاطبين من المرئيات، ضرورة أن المسافرين الذين يشاهدون تلك الآثار أقلّ عددا من غيرهم المقيمين، أما إطلاق القلوب على آلة النّشاط العقلي فهو على وجه المجاز المرسل، كما رجّحه الإمام ابن عاشور إذ قال: "وأطلقت القلوب على تقاسيم العقل على وجه المجاز المرسل، لأن القلب هو مفيض الدّم -وهو مادة الحياة- على الأعضاء الرّئيسية، وأهمّها الدّماغ الذي هو عضو العقل".(1)
وإثباتا لهذه الحقيقة النّفسية فرّع الله على ذلك قوله: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ}، في الكلام استعارة لعمى القلوب بعمى الأبصار بجامع عدم الإدراك في كلّ منها، وما عساه تجدي الحواسّ الظّاهرية إذا انطمس نور العقل وانسدّت منافذ الهداية عن القلب. قال المتنبي:
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره … إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
وقوله: (التِي فِي الصُّدُورِ) توكيد لزيادة التّقرير، وهو ترشيح للاستعارة بأنّ المقصود هو عمى القلوب.
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 17/ 288.