نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٩٧ثم يرسم الله تعالى صورة مزرية للمعبودات الباطلة بضرب مثل لها يحقرها ويحقّر عابديها فقال: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَّخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِنْ يَّسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ}.
من بليغ الأسلوب القرآني المعجز أن يرد هذا النّداء العامّ: بـ (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ) في ختام السّورة كما ورد في أوّلها على قاعدة ردّ العجز على الصّدر، والخطاب فيه لجميع النّاس، وللمشركين بخاصّة لما ورد بعده من الحديث عن الأوثان وبيان ضعفها وعجزها. وضرب المثل هو تشبيه شيء غير معلوم بشيء آخر معلوم ليصل العلم فيه بالشّيء المجهول، يقول فيه الإمام الشّعراوي: "المثل قول موجز بليغ قيل في مناسبته، ثم استعمله النّاس لخفته وجماله وبلاغته في المواقف المشابهة، والمثل يظل على حاله الأول لا يغيّر، ويجب الالتزام بنصّه مع المفرد والمثنى والجمع، ومع المذكر والمؤنث"(1).
قلت: وردت في القرآن عدة أمثال، هي كلها في قمة البلاغة مبنى ومعنى، وللعرب أمثال سائرة متداولة، وقد صرّح بالفاعل في ما ورد من أمثال القرآن، وجيء هنا بصيغة نائب الفاعل، والأرجح أن يقدّر الفاعل بلفظ الجلالة. فبعد ما عرضته السّورة الكريمة من أنواع الأدلة والبراهين ومن المواعظ والإرشادات المقنعة على أن الإله المعبود بحقّ واحد لا شريك له وأن ما يعبده الكفار من دونه باطل وضلال، بعد ذلك البيان جاء هذا المثل الجامع البليغ، وإن كان لعموم النّاس، فهو يخصّ المشركين؛ لأنه شديد المساس بواقع عبادتهم الباطلة.
(1) 1 - تفسير الشّعراويّ: 16/ 9931.