نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٩٨وقوله تعالى: (فَاسْتَمِعُواْ لَهُ) هو لمزيد من لفت الانتباه، لتفهّم مغزى المثل ومرماه، ثم توجيه السّلوك على مقتضاه. والمضمون هو قوله تعالى: (إنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَّخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُواْ لَهُ}، ومراعاة لحالة المخاطبين من تقديس آلهتهم وإنكارهم لأيّ وصف لها بالنّقص والعجز، جاءت الجملة البيانية مؤكدة بـ"إن" وبالنّفي التّأبيدي بـ"لن" لصفة الخلق عنها، ولو اجتمعت كلها لفعل ذلك، فهي لا تستطيع ذلك في الماضي ولا في المستقبل. وضرب الله المثل في نفي الخالقية عنها بأضعف مخلوقاته وهي الذّبابة: الحشرة الحقيرة المعروفة؛ لأن المهمّ في هذه الحقيقة الوجودية ليس هو نوع المخلوق، بل هو معرفة سرّ الحياة الذي بقي لغزا محيّرا حتى يوم النّاس هذا، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك بالرّغم من المحاولات المضنية التي بذلها العلماء في هذا المضمار، فهم أعجز من أن يخلقوا ذرة من رمل بله خلية حيّة لحيوان أو نبات، ذلك هو عجز الأحياء من البشر، فكيف بتلك المعبودات التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا، وصدق مولانا إذ يقول:
أ) - (وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النّحل:21 - 20).
ب) - (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالاَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54).
ج) - (أَمَّنْ يَّبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ) (النّمل:64).
وتعالى الله الملك الحقّ بضربه لهذا المثل الذي يبقى متحديّا للخلق أجمعين في فكّ لغز الموت والحياة مهما بلغوا من العلم.