نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٩٩ثم يزيد الله في تحدّيهم بما هو أسهل من الخلق والإيجاد فيقول: (وَإِنْ يَّسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ}، بل إن تلك الآلهة أعجز من الذّباب، إذ أنها لا تملك أن تعيد ما أخذه الذّباب منها إذا حطّ عليها ليمتصّ من الطّعام الذي ينثره عليها المتبرّكون بها، أو من دم القرابين الذي يلطخونها بها. ويلاحظ اختيار ضمير العقلاء لتلك الآلهة، جريا على ما يعتقدون فيها من القوة والنّفع، وقد تكون الآلهة المعبودة من نوع العقلاء كالشّيطان والجنّ والملائكة، كما أن المثل يصلح للمخلوقين أمثالنا، فنحن -أيضا- أعجز ما نكون لاستنقاذ ما يسلبه الذّباب منا، وقد يتسبّب لنا -أحيانا- في سلب بعض حواسّنا أو جوارحنا بل وحتى حياتنا برمّتها بنقل عدوى الأمراض الفتاكة، ولذلك قال المولى تعقيبا على ذلك: (ضَعُفَ الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ}. وفي بيان ذلك احتمالان:
أ) - الطّالبُ: هو الوثن المعبود الذي يطلب الشّيء المأخوذ منه، والمطلوب: هو الذّباب الضّعيف السّالب للشّيء.
ب) - ضعفتم أنتم الدّاعون للآلهة الباطلة، وضعفت الأصنام المعبودة العارية عن صفات الإله الحقّ.
(مَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}: وكنتيجة لضرب ذلك المثل فقد تبيّن أن هؤلاء المشركين العابدين لما لا يضرّ ولا ينفع، بل لا يملك لنفسه دفع الضّرّ من ذبابة حقيرة، تبيّن أنهم لا يعظمون الله بما يستحقّه من التّعظيم، إذ لا يدركون المعنى الحقيقي للألوهية الحقة، ذلك بأنّ الله هو القويّ القاهر وما عبدوه من دونه ذليل ضعيف، وأن العزة والغلبة له وحده، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. وفي اختيار الصّفتين للذّات العلية تهديد للمشركين بما ينالون من نقمة الله عليهم.