نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٢٣١(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، إِنَّ فِي ذَالِكَ لاَيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ}: ولا شكّ أنّ جراحات نوح بأذى قومه ومكرهم كانت بالغة، إذ هدّدوه بالقتل في أبشع صورة من الرّجم بالحجارة: (لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (الشّعراء:116). فالتّعبير هنا بالاستواء على السّفينة هو ومن معه يوحي بالاطمئنان النّفسيّ والأمن مما كان يساوره من القلق والأذى من مشاهدة الظّلم والتّعسّف يعلّمنا الحقّ تعالى كيف نشكره على نعمه، وقد حقّق لنا ما نصبو إليه من الأمن والاطمئنان في الحاضر وما نأمله من إدمان تلك النّعمة في المستقبل.
أ) - (الْحَمْدُ للهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: فالتّخلّي قبل التّحلّي فالنّعمة هنا سلبية تتمثل في النّجاة والبعد عن الشّرّ والفساد.
ب) - (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}: لأن المنزل الذي فيه البركة والنّماء وحياة الاستقرار ليس هو ظهر السّفينة، وإنما هو المرسى الذي تستقر فيه لتبدأ دورة الحياة من جديد، وليس إلا الله المعين، فهو الذي ييسّر له ذلك المكان وهو العليم بطبيعة أرضه، وجاء الدّعاء بصيغة الإفراد في شخص سيدنا نوح على اعتبار أنّه ربّان السّفينة والمسؤول على رفاقه من المؤمنين وهم يشاهدون معه تلك الأهوال. ويقدر الله أن تتابع من أصلابهم تلك الأجيال.
(إِنَّ فِي ذَالِكَ لأَيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ}: فكم في القصة من دلائل القدرة الإلهية، وكم فيها من أنواع الابتلاء، سواء للكافرين بما لحقهم من الهلاك والفناء أو للصالحين بما يمتحنهم الله به من أنواع المشقات ليمحّص قلوبهم ويجزل ثوابهم، والله أعلم.