نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٤٨

ويتضمن التّشبيه تهديدا شديدا تفصح عنه الآية اللاحقة، إذ يقول تعالى: (اَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}: الجملة مكّملة للتّهديد السّابق، وهي تعالج قضية كثيرا ما حيّرت العقول وهي تشاهد ما يكون عليه أولئك الطّغاة الضّالّون من ترف وبذخ يزدادون بهما تطاولا على من دونهم من المستضعفين، وهم يعتقدون أنّ ذلك من حظوتهم عند الله، بينما هو في الواقع استدراج وإملاء، مصداقا لقوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام:44). والاستفهام إنكاريّ وتوبيخي، والإمداد هو العطاء يهبه الله لمن يشاء بحكمة وخبرة تامّة بعباده ليختبرهم -وهو أعلم بهم-، وخصّ المال والبنين بالذّكر؛ لأنهما زينة الحياة الدّنيا، وسبب للصّراع والفتنة ومجال للمنافسة. ولما كان هؤلاء المترفون محاطين بالنّعمة وهم يطلبون المزيد جاء التّعبير بقوله: (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}، شبّهت الخيرات بالطّريق التي تكون حلبة للمسارعة إلى طلب المزيد بحسب ما يظنه أولئك الضّالون بأنهم بذلك في منزلة الحبّ والكرامة عند الله وهو ظن خاطيء جاء بعده أداة الإضراب بقوله تعالى: (بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}، أضرب الله عن ذلك المظنون؛ لأنهم لا يشعرون بحكمة الله في الاستدراج لإقامة الحجة عليهم، ثم أخذهم بما يستحقونه من العذاب والشّقاء. فليعتبر الذين غرتهم أموالهم وحظوظهم العاجلة وليعلموا أن الدّنيا متاع قليل، وهي كما قال المتنبي في شأن تقلب الزّمان:

صحب النّاس قبلنا ذا الزمانا … وعناهم من شأنه ما عنانا

فتولّوا بغصّة كلهم منـ … ـه، وإن سرّ بعضهم أحيانا

ربما تحسن الصّنيع ليا … ليه، ولكن تكدّر الإحسانا

والله أعلم.

صفات المؤمنين الأوفياء.

٣٬٥٨٨ / ٦٬٢٠١