نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٧٧

وفي تلقين هذا الدّعاء لرسول الله تعريض بالمشركين بأن الله معذبهم … -لا محالة-، وأنه تعالى قادر على أن يريه ذلك في حياته، ولكن وصف الرّبوبية يقتضي الرّأفة والرّحمة، فجعل لذلك أجلا معينا قد لا يشهده الرّسول، ولكنه تعالى قادر في كلّ حالة أن يُري رسوله ما توعّد به أعداءه، وقد أراه بعض ذلك في غزوة بدر وفي فتح مكة، وعلى ذلك فقد علّمه أسلوب الدّعوة بأن تكون بحسن المعاملة وباللّين حتى يتحقق نجاحها فقال جلّ من قائل: (ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}.

بعد إخباره تعالى بضمان نصره لرسوله أمره أن يعامل مكذبيه بالتي هي أحسن، وذلك بمقابلة السّيئة بالحسنة، بل التّعبير يدلّ على الارتقاء في المقابل بأن يكون أحسن، أي فوق المثلية؛ لأن من شأن ذلك استمالة القلوب وكبح جماح العناد والاعتزاز بالإثم، ولا يتأتى ذلك إلا للصابرين المحتسبين، الذين يفوّضون أمر الخلق إلى الله؛ لأنه أعلم بأحوال المكذبين وبما يناسب كلاّ منهم من الجزاء.

وبما أن الشّيطان قد يعطّل الإنسان بوسوسته لبلوغ تلك المراقي من الأخلاق العالية، فقد أمر الله تعالى رسوله بأن يتعوّذ به من همزات الشّياطين، مما يكون في غير أمور التّبليغ، مما تقتضيه العصمة فقال جلّ من قائل: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَّحْضُرُونِ}.

الثّبات على وجه الحقّ يقتضي من المؤمن هذا التّعوّذ من همزات الشّياطين، أي بالالتجاء إلى الله أن يحصّنه من مكايدهم، فإنّ همزات الشّياطين تضغط على نفس المؤمن في كلّ حين، وهي تجري في نفسه مجرى الدّم في العروق، فإذا وكل الله عبده إلى نفسه فلا يستطيع الفكاك عن شباكه، وأولياء الشّيطان هم من الإنس والجنّ وهم متعاونون في الكيد والإغواء بمختلف الأساليب. وزيادة في التّصوّن والحذر، فهو يتعوّذ من مجرّد قربهم إليه، حتى لا يلحقه أذاهم.

٣٬٦١٧ / ٦٬٢٠١