نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٢٨٢وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}: جعل الله النّفخ في البداية لعودة الأرواح إلى أجسادها لتقوم من الأجداث مفيضة إلى ربها وقد تقطعت الأسباب، وتعطّلت الأنساب التي كان النّاس يتعاظمون بها في الدّنيا، إذ الكلّ في ذهول من هول الموقف، فلا صريخ ولا مغيث، بل ولا حديث ولا أنيس، كما صور تعالى ذلك في سورة عبس: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (34 - 37). فإن شدة الهلع تخرس الألسنة؛ لأن النّاس سكارى فهم لا يتساءلون، أي هم يائسون من طلب النّجدة، أمّا عندما تتجلى غمّة الهول وتوضع موازين الحساب، فإنّه تعالى قد أثبت لهم التّساؤل حينئذ إذ قال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ) (الصّافات:27). وذلك لتتبّع ما تسفر عنه نتائج المحاسبة لكل فريق، إذ يكون من تمام الغمّ والعذاب النّفسي للكافرين أن يعرفوا ما حظي به فريق المؤمنين من التّكريم والحفاوة، إذ يعرض ميزان الحساب وتجرى عملية الوزن للأعمال في سرعة ودقة، فقال تعالى: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}.