نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٨٣

نحن بإزاء مشهد من مشاهد يوم القيامة، يصوّرها القرآن الكريم تصويرا حسيّا بما نألفه نحن من وسائلنا الدّنيوية، في ما اخترعناه من آلات الوزن الدّقيقة لتقدير حجم الأشياء وبيان قيمتها، وبما أن أحوال تلك الدّار ليست كهذه كما يقول العلماء، فإن ما ثار من الجدال الكلامي حول الميزان في صورته وكيفية الوزن فيه مما لا طائل تحته لمعرفة الحقيقة، بل المنهج الصّائب في ذلك هو أن نكل الأمور الغيبية إلى الله، وهو تعالى يقول في ذلك: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) … (الواقعة:60 - 61). فتصوير الأعمال بالمحسوسات التي توزن لمعرفة ثقلها وخفتها، ونتيجة لذلك يترتب الجزاء العادل لأصحابها، إنما هو من التّصوير الفني البديع في القرآن، لبيان العدل الإلهي وإحاطة علمه بأحوال مخلوقاته.

والأعمال الصّالحة تكتسب ثقلها بما يكون لها من الرّضى والقبول عند الله وبمضاعفة الحسنات، وأما السّيئات فهي تتبخر هباء، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا) (الفرقان:23).

وقد أثبت الله الفلاح للفريق الصّالح، وفي الكلام قصر للتأكيد على استحقاقهم لتلك الصّفة، تنويها بشأنهم، إذ كان أعداؤهم من المشركين يرونهم في الدّنيا بازدراء واحتقار كما تفصح بذلك الآية اللاحقة. بينما يخيب المشركون لخفة موازينهم ولما لحق بهم من الخسارة في أخسّ أنواعها، إذ هي خسارة للنّفس ذاتها؛ لأن الخسارة في المال أو في الولد أو في متاع من الدّنيا قد تهون على الإنسان إذ يرجو تعويضها، ولكن خسارة النّفس هي الضّربة القاضية لصاحبها، فلا يأمل من ورائها خيرا، ولا ينتظر مخرجا، وذلك هو العذاب النّفسي الأليم الذي يعقبه العذاب الحسيّ في نار جهنم.

٣٬٦٢٣ / ٦٬٢٠١