نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٢٩٩

وتأتي سورة النّور لتحدّد الإذاية بالجلد مئة جلدة لكل من الزّانيين، ولكنها أطلقت الحكم دون اعتبار لاختلاف أحوالهما، غير أن السّنة القولية والفعلية لرسول الله فرّقت بين حالة الإحصان وعدمه في الرّجل والمرأة فقال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثّيبّ بالثّيب جلد مئة والرّجم».(1)

يعلّق سيّد قطب -رحمه الله- في الظّلال بعد رواية الحديث فيقول: "وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرّجم للمحصن، والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرّجم، كما أن هناك خلافا فقهيا حول تغريب الزّاني غير المحصن مع جلده، وحول حدّ الزّاني غير الحرّ، وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا، يطلب في موضعه من كتب الفقه".(2)

قلت: إن الذي تثبته النّصوص قرآنا وسنة في هذه العقوبة الصّارمة إنما هو الجلد لغير المحصن، والرّجم للمحصن، والتّفريق بين الحالتين هو محض العدل والإنصاف يقتضيه تقييم حجم الجريمة ودوافعها، وليس المجرّب الخبير في أمور الجنس كالمبتدئ الغِرّ الهيوب، ولله الحكمة البالغة في تشريع ما يناسب لطبائع خلقه، ولعلّ هذا العقاب الماديّ -على ما فيه من غلظة وصرامة- ليس بأشدّ إيلاما من ذلك العقاب المعنويّ بمشاهدة طائفة من المؤمنين له وتجرّدهم عن كل عاطفة تهوّن من شأن تلك الجريمة الشّنعاء.

قد يقول قائل: إن الزّجر بهذا الإيلام الماديّ والمعنويّ، قد يفيد غير المحصن إذا قدّر له أن يتحمل الجلد دون أن يتعرّض إلى الموت، فما بال المحصن الذي يرجم إلى حدّ الموت، والحكمة تقول: ما لجرح بميّت إيلامُ؟. وللإجابة على هذا السّؤال، نعرض قصة ماعز والمرأة الغامدية كما روتها كتب السّنة.

قصة "ماعز" وما فيها من عبر

(1) 1 - رواه مسلم من حديث عبادة بن الصامت، كتاب الحدود، باب حد الزنى، رقم 1690.

(2) 2 - سيد قطب، في ظلال القرآن: 18/ 58.

٣٬٦٣٩ / ٦٬٢٠١