نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٣١٣وقد اختلفت العبارة في الشّهادة الخامسة لكل من الرّجل والمرأة بأن يحكم الأول على نفسه بلعنة الله وتحكم الثّانية على نفسها بغضب الله، لأن الرّجل في دعاءه على نفسه باللّعنة في حالة كذبه قد عرّض زوجته بذلك للعنة النّاس ونبذهم إياها في إمكانية تزوجها بآخر وأما المرأة فتدعو لنفسها بغضب الله في حالة صدق زوجها لأنها تكون قد أغضبت زوجها بذلك وخانته في نفسها فهي تستحق بذلك غضب الله والجزاء من جنس العمل.
والتّهمة بالخيانة الزّوجية أمر فظيع يهزّ أركان الأسرة بفقدان الثّقة بين الزّوجين، وإلحاق الضّرر بالأولاد، والفصل في ذلك بالملاعنة هو ارتكاب أخفّ الأضرار من النّاحية الاجتماعية، غير أن الحقيقة لا يعلمها إلا الله، ولذا شدّد الرّسول المسؤولية على الزّوجين المتلاعنين فقال: «أيّما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنّته، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين».(1)
وللعان شروط مبسوطة في كتب الفقه وهي تختلف بين الإطلاق والتّقييد، وكذا ما يترتب عليه من نتائج، ويعتبر حكم اللّعان هذا مخرجا حكيما ومتنفّسا واسعا أمام قوم اعتادوا في جاهليتهم الغيرة المفرطة منساقين مع العواطف الجموحة حين يجدون على فراشهم شخصا غريبا، أو حين يأتي الولد غير مشابه لأبيه، فاقتضت حكمة الله تعالى أن تقع أحداث من هذا القبيل في ذلك المجتمع الفاضل فيتلهّف النّاس إلى حكم الله وهو بين الإغضاء عن الفاحشة وبين حدّ القذف، حتى إذا نزل حكم الله انشرحت له النّفوس واعترفت بفضل الله.
(1) 1 - رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، كتاب النكاح، باب في التغليظ في الانتفاء، رقم 2263؛ ورواه الحاكم من حديثه أيضا، رقم 2814، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (2/ 220).