نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٣٢

لقد كانت حادثة الإفك وما تخلّلها من الوعيد الشّديد كافية لرسم إطار الطّهر والعفاف للمجتمع المسلم، لأن العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب. ونظرا لما لهذه القضية من حساسية بالغة، ودفعا لأيّ توهّم أن تكون من خصوصية رسول الله وآل بيته، اقتضت حكمة الله أن يتكرر الإرشاد الإلهي بما هو أعمّ وأشمل، ويرتب عليه ذلك الوعيد الشّديد، فقال جلّ من قائل: (اِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُومِنَاتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

فالجملة مؤكدة بـ"إن" مع اختيار الاسم الموصول والفعل المضارع: (الذِينَ يَرْمُونَ}، مما يدلّ على رسوخ تلك الصّفة فيهم واستمرارها وكذا التّعبير بالرّمي، حتى لكأن تلك الألفاظ القاذفة هي رصاصات لا تخترق الأجساد ولكنها تخترق الأعراض فتمزقها، وجاء وصف المؤمنات متأخرا عن وصفي المحصنات الغافلات لأنهما وصفان خلقيان معروفان حتى عند الجاهليين قبل مجيء الإسلام كما قالت هند بنت عتبة لرسول الله عند مبايعة النّساء له عن عدم الزّنا، فقالت: أوتزني الحرة يا رسول الله؟.

فموضوع الآية هو صون العفاف والطّهر بسياج من الإيمان بالله، فجيء بالوصفين مقدّمين على الإيمان، وذلك من بلاغة القرآن الكريم، واللّعن في الدّنيا والآخرة يعني الإبعاد عن حظيرة المؤمنين حتى لكأن القاذف كلب عقور يتحاشاه النّاس، وقليلا ما يرعوي هؤلاء عن غيّهم فيتوبون ويرجعون، ذلك لأن الطّبع اللّئيم لا يرضيه إلا معاناة النّاس وفتنتهم.

٣٬٦٧٢ / ٦٬٢٠١