نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٣٦٣وللإسلام منهجيته الحكيمة في علاج هذا الوضع، ففي مشكل الاسترقاق لم يستطع أن يمنع مصادره كلّها مرة واحدة، سيما أسارى الحرب الذين تخضع وضعيتهم إلى ما يتفق عليه المسلمون مع أعدائهم من الافتداء أو تبادل الأسرى، ولذلك فسح المجال لهؤلاء لاشتراء حريتهم بالمكاتبة زيادة على تحريض المؤمنين على تحرير عبيدهم إما تكفيرا لذنوبهم أو تقرّبا إلى الله تعالى فقال جلّ من قائل: (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، اَو اِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ، اَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد:11 - 16).
ولشدة العلاقة بين آفة الزّنا والرّق، وعلى وعد الله بالغنى لمن يتزوّج ولا يتخذ الفقر عائقا لذلك تأتي أحكام الأمر الإلهي بمكاتبة العبيد. هـ) - البيان والتّفسير:
قال تعالى: (وَالذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمُ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ}:
المكاتبة في المصطلح الشّرعي حسبما تدلّ عليه الآية الكريمة هي رغبة العبد أو الأمة في كسب حرّيته، فيطلب من سيّده ذلك ويتفق معه على مقدار من المال يدفعه له أقساطا في آجال معيّنة تسجّل في وثيقة يلتزم الطّرفان بتنفيذها، وقد يكون الثّمن خدمة معيّنة يقوم بها العبد لسيّده ويتفقان عليها كذلك مكاتبة. والأمر موجّه للسّادة المالكين، فتتعيّن عليهم الاستجابة لأمر الله بتلبية طلب العبد أو الأمة، ولذا ذهب بعض العلماء أن الأمر يقتضي الوجوب، ويرى آخرون أنه للاستحباب والنّدب نظرا للقيد المتصل بالأمر في قوله تعالى: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}، وتقدير هذا الخير في العبد إنما يتوقف على رأي السّيد وليس لذلك ضوابط معيّنة.