نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٧١

وضرب الله المثل لتوهّج ذلك النّور بما كان النّاس يعرفونه إلى وقت التّنزيل من استعمال تلك الوسائل البسيطة في تركيب يحصر أشعّة النّور ويمنع عنها الرّيح فلا تضطرب ولا تنطفئ، فجعل من المشكاة وسيلة لحصر الأشعة، وجعل من المصباح المشتعل بفتيل الزّيت الصّافي مصدرا لذلك النّور، وشبه الزّجاجة التي يكون فيها المصباح بالكوكب الدّريّ في لمعانه، وللدّلالة على توهّج النّور وصفائه أضفى على زيت المصباح أوصافا تجعله ممتازا في نوعيته بكونه من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية فهي ملء أشعة الشّمس في بطحاء واسعة لا يظللها شجر ولا حجر، فإذا كانت شجرة الزّيتون في مثل ذلك الموقع فإن زيتها يكون أصفى الزّيوت حتى لكأن النّور يكاد ينبثق منها ولو لم تصبها نار، وبذلك يكون قد توفرت لذلك المصباح كل وسائل التّوهّج والإنارة: (نُّورٌ عَلَى نُورٍ}.

وقد أحسن الإمام المودودي في تحليل هذا التّشبيه وبيان ما ينطوي من دلالات إذ قال ما نصّه: ''فالله سبحانه وتعالى قد شبّه نفسه في هذا المثال بالمصباح وشبّه الكون بالمشكاة، وأراد بالزّجاجة ذلك السّتر الذي قد وارى فيه الحق تعالى نفسه عن نظر الخلائق، كأن ليس هذا السّتر في حقيقة الأمر بستر الخفاء، وإنما هو ستر شدة الظّهور، فإن كانت أبصار الخلائق لا تدركه، فما السّبب في ذلك أن الظّلمة حائلة بينه وبينها، بل السّبب الحقيقي في ذلك أن السّتر الذي بينهما شفاف رائق، قد عجزت الأبصار وذلت القوى المحدودة عن إدراك النّور الذي يصل إليها بعد عبوره، وذلك لشدة لمعان هذا النّور وشموله وإحاطته، إن هذه الأبصار الضّعيفة لا تقدر إلاّ أن تدرك الأنوار المحدودة والتي توجد في مقابلها الظّلمات، فهي لا تظهر إلا في مقابلة أضدادها، أما النّور المطلق الذي لا ضدّ له ولا زوال وهو محيط بالكون من كل جهة وبصفة واحدة، فإن الأبصار عاجزة عن إدراكه البتة''.(1)

(1) 1 - المودودي، تفسير سورة النّور: ص 198.

٣٬٧١١ / ٦٬٢٠١