نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٣٧٣(يُسَبِّحُ}: قرأه الجمهور بكسر الموحدة بالبناء للفاعل، وهو: (رِجَالٌ}: وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول، فيكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثّلاثة وهي: له، فيها، بالغدو، ويكون: (رِجَالٌ) فاعلا بفعل محذوف. أما (بُيُوتٍ) فقد تقدم وجه قراءتيه.
د) - البيان والتّفسير:
تعددت آراء المفسّرين في تحديد متعلق الجار والمجرور: (فِي بُيُوتٍ) ويرجّح الإمام ابن عاشور أنه ظرف مستقرّ هو حال من قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ}. يقول: يشير إلى أنّ "نُور" في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) مراد منه القرآن، فيكون هذا الحال تجريدا للاستعارة التّمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبّهة أعني هيئة تلقّي القرآن وقراءته وتدبّره بين المسلمين، مما أشار إليه النّبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وذكرهم الله فيمن عنده».(1)(2)
قلت: إن هذا الرّبط بين هذه الآية وما قبلها أولى وأنسب لتسلسل المعاني وتداعيها كما تقتضيها بلاغة القرآن، فبعد التّمثيل الرّائع لنور الله المتمثل في هدي القرآن وشخصية الرّسول مما يجعل المؤمنين يتشوّقون إلى معرفة المصادر التي يلتمسون فيها ذلك النّور، وكيف يتزوّدون بقبسات منه تنير مسالك حياتهم، فكان هذا الإرشاد الإلهي في عمارة بيوت الله ورفعها، سواء بتشييد أبنيتها وإكمال مرافقها أو بتزيينها وتطهيرها من الأنجاس والأرجاس، وكذا تعميرها بالصّلاة والذّكر والعبادة، ومراعاة الآداب الشّرعية الثابتة من السّنة الصّحيحة في كلّ ما يضمن حرمتها وقدسيتها.
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم 2699.
(2) 2 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 18/ 247.