نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٧٤

فهي المشكاة التي يتألق فيها نور الله، فتتوهّج مصابيح القلوب وهي تتردّد عليها بالغدوّ والآصال، لا يثنيها عن ذلك أي شغل دنيويّ مهما كان مربحا أو مغريا مثل التّجارة والبيع، أو هي ترابط في رحابها اعتكافا أو انتظارا للصلاة بعد الصّلاة كما ورد في الأثر من أن المساجد التي يذكر فيها الله يراها أهل السّماء مضيئة كالنّجوم، وهكذا تكتمل الصّورة التّمثيلية بين الآيتين الكريمتين على أن المقصود بكلمة "البيوت" -والله أعلم- هو المساجد، وإلا فقد أورد المفسّرون احتمالات أخرى غير مستبعدة في معنى "البيوت" فقالوا:

أ) - المراد بها صوامع الرّهبان وأديرتهم، إذ كانوا يرفعون أبنيتها ويختارون لها رؤوس الجبال طلبا للهدوء والتّفرّغ للعبادة، ويتخذون لها كوى للمصابيح تعرفها القوافل في أسفارها إلى أرض الشّام.

ب) - إنها بيوت المؤمنين بصفة عامّة وأن المراد برفعها الاجتهاد في أن تكون محضنا طيّبا للأسرة بالطّهر والصّلاح والتّقوى، ورجّح الإمام المودودي هذا المعنى في تفسيره القيّم لسورة النّور فقال ما نصّه: "إن شريعة الله لا تحدّ العبادة في المساجد كما تحدّها الدّيانات التي فيها الكهانة ولا يمكن أن تقام فيها طقوس العبادة بدون فرد من طبقة الكهنة والقسيسين، أما الإسلام فكل بيت فيه معبد كالمسجد، وكلّ فرد من أفراد المسلمين قسّيس لنفسه فلما كانت معظم آيات السّورة تتعلق بتعليم المؤمنين وهدايتهم إلى رفع حياتهم الأسروية، فإن التّفسير الثّاني أنسب وأليق بموضوع السّورة عندنا من التّفسير الأول أي المساجد".(1)

(1) 1 - المودودي، تفسير سورة النور، ص 202.

٣٬٧١٤ / ٦٬٢٠١