نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٧٢

يلاحظ الالتفات من أسلوب الخطاب إلى الغيبة، وترد في مرجع الضمير من قوله تعالى: (هَل يَنظُرُونَ) ترد عدة احتمالات وهي لا تتنافى، وأقربها مناسبة أنّه تعالى لمّا ذكر الزاّلين عن صراط الله من المؤمنين وغيرهم غيّر الأسلوب، لأن الزّالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي، ولكي ينتقل إلى زيادة التهديد يرسم ذلك المشهد الرهيب من مشاهد القيامة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَّاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآَئِكَةُ وَقُضِيَ الاَمْرُ). والاستفهام إنكاري يخبر الله بعده بما ينتظر المكذّبين والزّالين عن طريق الله ماذا ينتظرهم في يوم الجزاء يوم يأتي أمر الله وينزل عذابه. ومعنى إتيان الملائكة نزولهم لتنفيذ ذلك العذاب لأنهم الموكولون بكل ما قضاه الله يومئذ، فالإتيان المسند إلى الله هو إسناد مجازي لابدّ فيه من تقدير مضاف أي غتيان امره وعذابه، لأنّه تعالى لا يتحيّز في مكان ولا زمان، وأمّا المُسند إلى الملائكة فهو من الإسناد الحقيقي، وأمّا كيف يقع ذلك فنحن أمام الأخبار الغيبيّة التي لا يسعنا إلاّ أنّ نفوّض إليه تعالى كيفيّة ذلك كما كان يفعل سلفنا رحمهم الله.

وإتيان أمر الله في ظُلل من الغمام هو لتصوير عنصر المفاجأة، لأن الغمام مظنة الرحمة بالغيث والرحمة، وحين يكون مقدّمة للخراب والدّمار كما حدث لقوم هود يكون أشد عذاباً وإيلامًا، وكثيراً ما تتكرّر في القرآن مثل هذا الوعيد في أسلوب متشابه ومن ذلك قوله تعالى:

أ - (هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ). (النحل:33)

ب- (هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ) (الأنعام:158).

ج- (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلآَئِكَةُ تَنزِيلاً). (الفرقان:25).

٣٧٥ / ٦٬٢٠١