نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٤١٧

النّفاق والمراوغة شرّ ما تبتلى به المجتمعات البشرية، وشرّ ما يعيق مسار الدّعوات الصّالحة، وقد ابتليت الجماعة الإسلامية في المدينة المنوّرة بتلك الفئة الضّالة من المنافقين، وكانوا لا يقدرون لتلك المجالس قدرها، يتحينون كلّ فرصة للاعتذار والتّخلف، ويودّون أن لا تنجح في اتخاذ القرارات الحاسمة لما يعود بالنّفع الجزيل على الأمّة، فبعد تركيز تلك الآداب التي يجب أن تراعى في المجالس الهامّة حذّر الله المؤمنين أن يستهينوا بقدر تلك المجامع، أو يصدر منهم ما ينمّ عن ضعف إيمانهم فقال جلّ من قائل: (لاَ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً}.

معنى "دعاء الرّسول" يترجّح للوجه الأول من الاحتمالات الثّلاثة للفظ -كما تقدم- لأن السّياق يقتضي ذلك، ولدعاء الرّسول -وفي معناه كلّ من يلي أمر المسلمين- وزنه وقيمته الاجتماعية، فلا يساوى بغيره من الدّعوات، لأنه دعوة لأمر جامع لا لمصلحة ذاتية كما يقع بين النّاس.

والمؤمن الوفيّ هو ذلك الذي تتجاوب مشاعره وأحاسيسه مع ما يهمّ المسلمين، وبالتّالي لا يكون توجّهه في الحياة إلاّ وفق توجّه الجماعة لا يندّ عنها ولا يتخلّى.

ويجوز في احتمال لفظ "الدّعاء" حمله على كيفية نداء رسول الله، فيتمّ بالتّعظيم والتّكريم لشخصه الكريم، فلا ينادى باسمه أو كنيته كما كان يفعل بعض الأعراب حتى نزلت في شأنهم آيات سورة الحجرات لتبيّن آداب نداء الرّسول ومخاطبته فقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ’ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2).

فإذا كان أولو الأمر في جماعة المسلمين يتمتّعون بنفس الحقوق في المعاملة والاحترام، فأنىّ لهم أن يبلغوا مستوى رسول الله في التّواضع والتّلطف واللّين.

٣٬٧٥٧ / ٦٬٢٠١