نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٤٩١ذلك هو الوعيد الرّبّاني لأولئك الظّلمة وتلك مصائرهم في العذاب العاجل الدّنيوي فكيف هو شأنهم في العذاب الآجل؟، يقول الحق تبارك وتعالى: (حَتَّى إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
"حَتَّى" ابتدائية -كما تقدم مفادها-، وقد انتقل الحديث إلى وصف نهاية المشركين في مشهد الاحتضار، وهي لحظات عصيبة، ينكشف فيه الغطاء للمحتضر فيشاهد ما لا نشاهده من حوله، فيحمله ذلك على التّمنّي، ولات ساعة استغاثة، فإذا رأى الكافر الحق الذي كان ينكره ورأى مقعده من النّار -كما تدلّ الآثار على ذلك-، فإنّه في تلك اللّحظة يتمنّى العودة إلى الدّنيا، ويقرّ لسانه بالرّبوبية لله: (رَبِّ ارْجِعُونِ}، هكذا بصيغة التّعظيم لله، أو المقصود بواو الجمع هم ملائكة العذاب، أو هو بمعنى التّكرار في تلهّف ورجاء: "أرجعني، أرجعني، لأعمل صالحا فيما تركت"، أي ليتدارك ما ضيّعه من واجباته الدّينية بصفة عامّة من حقوق الله وحقوق العباد، فهل من مجيب لتلك الاستغاثة؟.
(كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا}: كان يكفي النّفي بـ"كلا" إجابة له، ولكن لمزيد من التّهوين والتّحقير جيء بالجملة اللاحقة بصيغة الغيبة مؤكدة بعدة مؤكدات، بأن ذلك الطّلب ما هو إلا كلمة ضائعة لا وزن لها؛ لأنها لا تعدو مضغة اللّسان، وليس لها أي مستقرّ في الجنان، وهكذا يخيب رجاء الكافر في موقف هو أدعى للالتفات وللنّجدة، فماذا يكون وراء ذلك؟.