نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٨١(مَاذَا يُنفِقُون): "ما" مبتدأ، "ذا" بمعنى الذي خبر، وفعل "أنفقتم"هو في معنى الاستقبال جيء به في صيغة الماضي لإظهار الرّغبة في حصول الشرط. (مَآ أَنفَقْتُم مِنْ خَيْر): "ما" في موضع نصب بـ"أنفقتم"، والخير المال، والتعبير يشي بالخير في الإنفاق، كما يوحي بأن يتحرّى المنفق خير ما عنده، (فَلِلْوَالِدَين): اللام للملك بمعنى الاستحقاق. (وَالاَقْرَبِينَ): تقدّم تحديدهم فيما سبق مع المصارف الأخرى.
ج) - البيان والتّفسير:
صدّرت الآية بجملة (يَسْأَلُونَكَ) على الاستئناف الابتدائي، وتتلوها أسئلة أخرى يوجّهها الأصحاب إلى سول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة بعض الأحكام الشرعية أو البثّ في بعض القضايا ممّا يثيره اليهود والمنافقون أحيانا من الشبهات. وهكذا تتكامل في أسلوب القرآن مختلف المواضيع، وتختلط بعضها ببعض لتقوية كل واحدة منها للأخرى، وللتّفنّن في التوزيع والتنسيق قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذاَ يُنْفِقُونَ)، فقد روي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرما، وهو الذي قُتل يوم أحد وعنده مال عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟.(1)
فالسؤال ينصرف إلى نوعية ما ينفقون لا عمن ينفَق عليه، غير أن الإجابة الحكيمة تتضمّن الجواب عن السؤال بقوله تعالى: (مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) فاختيار كلمة "خير" فيه إيماء إلى نوعية المال المنُفق بأن يكون طيّبا يحقّق الخير والنّفع، ثمّ أكمل الإجابة ببيان جهة الاستحقاق فقال تعالى: (قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنَ وَالاقْرَبِينَ وَاليَتَامَى وَالمسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ). وإنفاق الأموال شيء معروف في حياة الناس، وليس العرب الجاهليون ببِدْعِ من النّاس في ذلك بل هم يتفاخرون بإتلاف المال واستهلاكه في الخمر والملذّات مع النّدامى والأصحاب، قال عنترة:
(1) 1 - أنظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 3/ 61.