نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٨٢فإذا شربت فإنني مستهلك … مالي، وعرضي وافر لم يُكْلَم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى … وكما علمت شمائلي وتكرّمي
وقد تقدّم في الآيات السابقة التحذير من مغبّة حبّ الدنيا، مما يجرّ إلى الخلاف والشّقاق، فلا عجب أن يسأل أصحاب المال من المسلمين كيف يوظّفون تلك الأموال لتعود عليهم بالخير وتكون محلّ القبول عند الله.
وفي بيان مصرف الإنفاق جاء التّرتيب بتقديم الوالدين والأقربين، وذلك أمر طبيعي تدعو إليه الفطرة السليمة في مراعاة الرّوابط المختلفة التي تربط بين النّاس في محيط الأسرة أوّلا لأنّها المحضن الطّبيعي للإنسان، ولأنّ رابطة النّسب والدّم هي من أقوى الرّوابط التي تدفع النّاس إلى التّكافل والتّعاون، ثمّ تأتي بعد ذلك روابط الرّحمة والإنسانية في محيط المجتمع، فبدأ بالأضعف وهم اليتامى وتلاهم بالمساكين لأنّهم أقلّ من حاجة اليتامى، لأنهّم أقدر على كفالة أنفسهم من اليتيم، ويأتي بعدهم ابن السبيل المنقطع عن بلده.
وهذا التّرتيب طبيعي تؤيّده بعض الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي جاء في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلقرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا»(1)
وواضح أن الآية تدلّ على صدقة التّطوع إذ ليس في ألفاظها ما يدلّ على الوجوب كالزكاة، بل هي من حقّ المسلمين بعضهم على بعض في التّكافل والتّراحم، وهي بالطّبع واجبة عندما تكون نفقة للأبوين الفقيرين والأولاد الصّغار الذين لا مال لهم وللزوجة، ولذلك تفاصيل في كتب الفقه.
(1) 1 – رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم بأهله ثم القرابة، حديث 997، 2/ 692.