نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ١٧

ترك موسى الإجابة عن الامتنان بنعمة التّربية وأقرّ بما فعله من القتل ليدفع عن نفسه تلك الهيبة التي أراد فرعون أن تؤثر فيه. فقوله بعدها: (وَأَنَا مِنَ الضَّآلِّينَ)؛ أي أنه فعل ذلك أيام كان في غفلة وجهالة بما يترتب على ذلك، وأنه لم يقصد القتل، فهو إذا ضلال بريء اعترف به موسى وتاب إلى ربّه فغفر له، كما صرّح بذلك قوله تعالى في سورة القصص: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) (16). فكلمة: (الضَّآلِّينَ) لا تعني انتفاء الهدى الذي يؤدي إلى الكفر، ولذلك قابل بها وصف فرعون به بقوله: (وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، ولم يكتف بذكر الوجه السّلبيّ في القضية، بل أضاف الوجه الإيجابي بما انجرّ على فراره من الخير بسبب خوفه من القتل، إذ كان ذلك الفرار سببا لحصوله على هبة الله العظيمة بأن أعطاه الحكمة والنّبوءة، ثم اصطفاه برسالته.

وجيء بضمير الجمع هنا؛ لأنّ خوف موسى منصبّ على ملأ فرعون كلهم كما فصّلت القصّة في سورة القصص: (إِنَّ الْمَلأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) (20).

وبعد أن حسم موسى إجابته على جناية القتل عاد إلى قضية الامتنان عليه بالتّربية فقال: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَآئِيلَ)، أفرد هنا ضمير الخطاب؛ لأنّ القضية تتعلّق بفرعون خاصّة، فجاءت إجابته في معنى التّبكيت لفرعون والتّهوين من شأن تربيته له، إذ جعل سبب ذلك معاملته القاسية لبني إسرائيل بإذلالهم واستعبادهم وذبح أولادهم واستحياء نسائهم مما اضطرّت معه أمّه إلى إلقائه في اليمّ، وإنعام الله عليه بالتّربية في القصر، فليقابل تلك النّعمة الفرديّة عليه بتلك النّقمة الجماعية لقومه، فإنّها لا تساوي شيئا، وهكذا شأن النّفس العظيمة لا تعتبر سعادتها التّامة إلاّ في أحضان سربها، وهم يتنعّمون جميعا بالعزة والكرامة.

والله أعلم

الجدال في إثبات وجود الله، وانبهار فرعون بمعجزة موسى

٣٬٨٦٨ / ٦٬٢٠١