نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢١وإلى هذا الحدّ بهت الذي كفر، فانتقل من الحجاج إلى التّخويف والتّهديد: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).
نلاحظ كيف تدرّج فرعون -وهو نموذج للجبابرة الطّغاة-، كيف تدرج في حواره مع موسى في إظهار جبروته حتى مع جلسائه يحاول تركيز انتباههم إلى مقالته بقوله: (أَلاَ تَسْتَمِعُونَ)، ثم إلى اتهام خصمه بالسّفه والجنون عندما يحسّ بلزوم الحجة عليه، ثم أخيرا إلى التّهديد بعد أن تدمغه حجة خصمه، بينما نجد موسى -وهو صاحب الحق- ثابتا في موقفه واثقا من نفسه في الإدلاء بحجته حتى في موقف التّهديد، وقد رفض فرعون الإيمان بإله موسى، وأقسم لموسى إن لم يؤمن بألوهيته هو ليُلقينّ به في السّجن، حيث يعلم أنّ المُلقى بهم هناك يبقون حتى الموت.
ولكنّ موسى لم يُرهبه تهديد فرعون، بل تابع بكلّ هدوءه حجاجه: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ، قَالَ فَاتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ).
كان في إمكان فرعون أن ينفّذ تهديده، ولكنّ الله كفكف من طغيانه أمام موسى فاستمع مرّة أخرى إلى تحدّيه بالإتيان بما يمكن أن يجعله يذعن للحقّ.
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ): فصيغة السّؤال تنبئ على أنّ فرعون يريد قطع الحجّة على موسى قبل أن يسجنه، معتقدا أن ليس مع موسى من أدلّة أخرى تعزّز موقفه، ولذلك قابل التّحدّي بالتّحدّي: (قَالَ فَاتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
والتّعبير بـ"إن" يدلّ على شكّ فرعون في ما يأتي به موسى، ولذلك فهو يستعجل الإتيان به ليبقى على هيبته أمام الحاضرين، وإثر ذلك ألقى موسى عصاه فانقلبت ثعبانا مبينا، أي ظاهر الهيئة والحركة لا لبس فيه ولا تمويه كما يفعل السّحرة بحيلهم، وقد تعددت الأوصاف لما آلت إليه العصا فقال تعالى في آيات أخرى: