نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٥

التعبير بـ "لعل" وبـ"إن" الشّرطية يفيد بأنّ الداعين للتجمّع الحاشد ليسوا متأكدين من الغلبة والنّصر على موسى، إذ لابدّ أن يكون ضمن أتباع فرعون من يودّون في الخفاء أن يتخلصوا من جبروت فرعون وقهره من أمثال الرّجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه كما وردت قصّته في سورة غافر.

توافد السّحرة على قصر فرعون وهم يشعرون بشيء من الميزة والشّأن، ولذلك تجرءوا عليه فطالبوه بالأجر إن هم غلبوا خصمهم، والتّنكير في كلمة: "أجر" يدلّ على أنّه أجر عظيم، وكانت إجابة فرعون بـ"نعم" الدّالة على قبوله لذلك الطّلب، بل زادهم على ما طلبوا بأن يجعلهم من المقرّبين إليه -أي من خاصته-، وتلك منزلة يتوق إليها الانتهازيون في كلّ زمان ومكان ممن يتزلّفون إلى الملوك والأمراء ليحقّقوا لأنفسهم مزايا مادية ومنافع شخصية، وهنا يطوي السّياق أحداث الإعداد للمباراة كما بينها الله تعالى في آيات أخرى، وينتقل بنا مباشرة إلى ميدان المباراة فيقول تعالى:

(قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ، فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَافِكُونَ):

انطلقت المبارة وفق ما جاء في سورتي الأعراف وطه بتخيير السّحرة لموسى في أن يكون هو البادئ: (إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) (الأعراف:115)، واكتفى النصّ هنا بجواب موسى بإعطائهم الأولوية في الإلقاء، وفي ذلك حكمة وتدبير من الله تعالى لاستثارة حماس المشاهدين، ولا شكّ أنّ موسى في ذلك الموقف ينفّذ تعاليم ربّه خطوة خطوة، وهو واثق من نصره وتأييده، ولم يتوان السّحرة في إلقاء حبالهم وعصيّهم التي كانت عدتهم في السّحر، وأقسموا بعزّة فرعون تملّقا له وتعظيما وإظهارا للثّقة في مهارتهم السّحرية وأنهم غالبون بها لا محالة.

٣٬٨٧٦ / ٦٬٢٠١