نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٦

ولنا أن نسأل: لماذا اختاروا من الوسائل السحرية الحبال والعصيّ دون غيرها من الوسائل الأخرى التي -ولا شك- أنهم يتقنونها؟. ذلك لأنهم يعلمون أن معجزة موسى تنحصر في العصا التي تنقلب ثعبانا، فظنّوا أنّ الإتيان بكثير من الحبال والعصيّ التي تنقلب حيات وثعابين تملأ الوادي هي التي تجعل موسى يخاف ويضعف أمامهم، وذلك ما عبّرت عنه الآيات الأخرى في قوله تعالى: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّآ أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف:116)، ذلك بالنّسبة للجموع المتفرجة الحاشدة، وأما بالنّسبة إلى موسى -وهو الطّرف الخصم- فهو الآخر قد امتلكته الرّهبة مما رأى لولا أن الله تعالى ثبّته وشجّعه كما قال: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لاَ تَخَفِ اِنَّكَ أَنتَ الاَعْلَى، وأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه:67 - 69). وذلك ما طواه النصّ هنا، واكتفى بذكر النّتيجة، من إلقاء موسى عصاه وتلقّفها والتهامها لكلّ ما يعجّ به الوادي من تلك الحبال والعصيّ المسحورة. وجاء التّعبير عنها بـ (مَا يَافِكُونَ) لبيان أنّ ذلك من تمويه السّحر لا حقيقة له، إذ هو محض كذب، فكيف كان ردّ الفعل من السّحرة أمام ذلك المنظر المفاجئ؟.

قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).

لم يتردّد السّحرة في إذعانهم للحقّ بما شاهدوه من معجزة موسى، إذ أيقنوا أنّ ما جاء به ليس من مقدور البشر، فخرّوا ساجدين لله معلنين عن إيمانهم بدعوة موسى وهارون إلى عبادة ربّ العالمين، وفي زيادة تعريفه برب الرّسولين إبطال لادّعاء فرعون بالرّبوبية، وهكذا يزهق الباطل أمام نصاعة الحق.

٣٬٨٧٧ / ٦٬٢٠١