نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤لحق فرعون بجنوده جموع بني إسرائيل، وليس بين الفريقين تكافؤ في العدد، وما يزال بنو إسرائيل تحت وطأة الخوف من جبروت فرعون، ولذلك تنادوا بالفزع حين تراءى الفريقان، وجزعوا لما توقّعوه من الهلاك على أيدي فرعون، ولكن موسى ردعهم بقوله: (كَلاَّ)، فنفى عنهم ما كانوا يظنونه من الهلاك، وعلّل ذلك النّفي بقوله: (إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)، أكّد معية ربّه له بالرّعاية والحفظ وأنّه سيهديه إلى سبيل النّجاة في الحاضر والمآل، وقد حصر الهداية في شخصه على اعتبار صلته بوحي الله، فهو لا يدري كيف يتحقّق نجاتهم وهم بين خطرين محدقين: أمواج البحر وجنود فرعون، فكان لاختيار فعل الهداية له من الله معناه الدّقيق في الأدب مع الله، في اتّباع أوامره خطوة فخطوة في تلك المغامرة العظيمة، وما إن واجهته أمواج البحر العاتية حتىّ أمره الله بضربه بعصاه، وهي رمز القدرة الإلهية في يده.
(فَأَوْحَيْنَآ إِلى مُوسَى أَنِ اِضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ).
كان الإيحاء لموسى من الله فور طلب الاستهداء بأن أمره أن يضرب البحر بعصاه فانفلق، أي انشق إلى أجزاء، قيل: إنّها اثني عشر جزءا بعدد أسباط بني إسرائيل، انحصر كلّ جزء بمائة، وتوقّف عن الانسياب حتى ارتفع كالجبل الشّامخ، فتهيّأت بذلك الطّرق اليابسة لعبور بني إسرائيل فتقدّمهم موسى لا يخاف دركا ولا يخشى، فسبحان الله العليّ القدير خالق الأسباب والمسبّبات، كيف يبرزها في عالم الشّهادة ولو بأبسط الأشياء، ليعلّم خلقه كيف يتّخذون الأسباب، وإلاّ فما قيمة تلك العصا في يد موسى، وما أثر ضربها على أمواج البحر العاتية؟، ولكنّها معجزة خارقة للعادة أجراها الله على يد موسى ليشاهدها قوم أذلهّم الطّغيان البشري، فأراد الله أن يمنّ عليهم بهداية الإيمان.