نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٦على ذكر إبراهيم في دعائه اليومَ الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ناسب أن يبيّن الله ما في ذلك اليوم من ثواب وعقاب وما تكون عليه أحوال المشركين من التّحسّر والنّدامة بما اقترفوه من الضّلالات في الحياة الدّنيا فقال جلّ من قائل: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ).
كان البدء بجزاء المتقين هو الأنسب بحال إبراهيم في ابتهالاته لله ودعائه المخلص له سيما في فقرته الأخيرة، وهو يرجو أن لا يخزيه الله في هول ذلك الموقف، فتقريب الجنة من المتقين الصّالحين أمثاله هو تطمين لهم وبشرى بما يستقبلهم من نعيم الجنة، على عكس ضدّهم من المشركين الضّالين الذين اسودّت قلوبهم بأدران الشّرك، فإنّ إبراز جهنّم بحيث يرونها ويسمعون زفيرها مما يزيد في غمّهم وحسرتهم؛ لأنهم يعلمون أنهم مواقعوها لا محالة.
وإمعانا في إشقائهم فإنهم يُسألون على وجه التّبكيت والتّوبيخ: (وَقِيلَ لَهُمُ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمُ أَوْ يَنتَصِرُونَ، فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ).
الأظهر أنّ القائلين هم ملائكة العذاب؛ لأنّ الكافرين لا يكلّمهم الله يوم القيامة، وبما أنّ الآلهة الباطلة على مختلف أنواعها تكون حاضرة مع عبدتها في ذلك الموقف كما تنصّ على ذلك آيات أخرى، وقد وقع التّبرؤ والتّقاطع بينهم، فإنّ السّؤال هنا يتعيّن للتّبكيت والتّخطئة والتّوبيخ، مع السّؤال لإنكار أن تقدّم لهم نصرا أو تنتصر لنفسها.