نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٤٨إنها الأماني الكاذبة التي يتعلق بها العصاة الغاوون وقد قال رسول الله: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ».(1)
وهكذا تتقطع الأسباب، وتتقاطع الأنساب في ذلك الموقف المهول، وقد أكّد النّفي للشافعين: بـ"مِن"، وجيء بصيغة الجمع؛ لأنّ المألوف عند النّاس في واقع حياتهم كثرة الشّفعاء الأدعياء ممن يبتزّون أموال النّاس ولا يتوصّلون لقضاء مآربهم، ولكن الله العليم الحسيب لا يأذن بالشّفاعة إلا لمن ارتضى، ولا يرضى الله إلا بما هو حق وعدل، ووصف الصّديق بالحميم هو للدّلالة على كمال الصّداقة فيمن يشعر بشعورك ويهتمّ بأمورك دون أن تتوسّل إليه بطلب كما تفعل مع الشّفيع، وذلك النّوع من الأصدقاء قليل كما قال الشّاعر:
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم … ولكنهم في النّائبات قليل
وحين ضاقت بهم السّبل وبلغ بهم التّحسّر والنّدم أوجَهُ ركنوا إلى تعليل أنفسهم بالتّمنّي أن يعودوا إلى الدّنيا ليتداركوا تقصيرهم في مقتضيات الإيمان: (فَلَوَ اَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ)، ولكن هيهات.
(إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّومِنينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
الإشارة إلى قصّة إبراهيم وما تضّمنته من الحجج والبراهين على وحدانية الله وحسن دعوته لأبيه وقومه، ثم إطلاقه لتلك الابتهالات لله والتوجّه إليه بتلك الأدعية النديّة، ثم التّخلّص للوعد والوعيد، بما يوقظ الضّمائر ويحيي القلوب، ومع ذلك لم يهتد بها قوم إبراهيم، فليس بعجيب أن لا يؤمن بها أكثر قومك -أيها الرّسول- لأن الكفر ملة واحدة: (وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُومِنِينَ) (يوسف:103).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث شداد بن أوس، كتاب (35) صفة القيامة، باب (25) حديث الكيس، رقم 2459، وقال: حديث حسن.