نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٣٩ثمّ علّل الله ذلك الموقف الشّائن منهم برسوخهم في الكفر فقال: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
هم كذلك لأنّهم فقدوا الأسباب والدّواعي التي تؤهّلهم إلى النّظر في أدلّة الإيمان، فقد تعطّلت فيهم القوّة المدركة المعبَّر عنها في القرآن بـ" القلوب" فهي مستغلقة مختوم عليها بخاتم الحرمان والانسداد، وأمّا الحواس -أي السّمع والبصر- وهي منافذ المعرفة إلى العقل فهي مطموسة أيضاً، وجيءَ بالتّعبير التّصويري تشبيهاً واستعارةً لتجسيد الحقائق المعنويّة بالأشياء المحسوسة للإمعان في الاستهجان والتّّنفير.
يقول الشّيخ رشيد رضا في نكتة إسناد الختم على القلوب والأسماع إلى الله، يقول:" وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى لأنّه بيان لسنّته تعالى في أمثالهم، وعبّر عنه بالماضي للدّلالة على أنّه أمر قد فرغ منه، وهو لا يدلّ على أنّهم مجبرون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إيّاهم منه بالقهر، وإنّما هو تمثيل لسنّته تعالى في تأثير تمرّنهم على الكفر وأعماله في قلوبهم بأنّه استحوذ عليها وملك أمرها حتّى لم يعد فيها استعداد لغيره".
ثمّ يقول نقلاً عن شيخه محمد عبده -رحمه الله-: "وأمّا النّكتة في استعمال الختم مع القلب والسّمع، والغشاوة مع البصر، فهي أنّ الختم من شأنه أن يكون مع المكنون والمستور، وهكذا موضع حسّ السّمع وموضع الإدراك من العقل، والسماع من ظاهر الخِلقة، وأمّا البصر فالحاسّة منه ظاهرة منكشفة".(1)
(1) - محمد رشيد رضا/ تفسير المنار، 1/ 149.