نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٤٠

قلت: يبدو لي -والله أعلم- أنّ النّكتة في استعمال الختم مع القلب والسّمع، أنّ الله سبحانه وتعالى قد سبق في علمه الأزلي أنّ هؤلاء ميؤوس منهم، بحيث لا يُرجَى منهم صلاح ولا إذعان، فهم مستغلقون مختوم على قلوبهم بيد الله خالق الإنسان ومقلّب القلوب، فلا يتأتّى للرّسول بَلْه غيره من البشر أن يوصل إليهم هذه الهداية، ولا أن يُسمِعهم كلمة الحقّ.

وهداية القرآن تصل إلى شِغاف القلوب المؤمنة المُعَدَّة للتّلقّي عن طريق السّمع بالإنصات والتّدبّر، ويكون التّأثير والتّفاعل بسماعه عن الغير أكثر من قراءته بحاسّة البصر من المصحف وغيره؛ ولذا كان اختيار كلمة الختم على القلوب والسّمع أولى وأنسب، لأنّ الانتفاع بهاتين الجارحتين أمر مقدور عليه من كلّ النّاس، على أيّ مستوى كانوا من الثّقافة والمعرفة، بينما الانتفاع بحاسّة البصر في مجال العلم بتلاوة المكتوب وفهمه لا يستطيعه إلاّ من كان له حظًٌّ من الثّقافة، وقد كان الرّسول نفسه يتلذّذ بسماعه من غيره أكثر من تلاوته بنفسه، فيطلب من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يُسْمِعَه إيّاه بصوته النّديّ، وقصّة عتبة بن أبي ربيعة مع رسول الله مبعوثاً من قومه يستعطفه ويُغريه بالمال والجاه والسّلطان ليترك الأمر الذي جاء به، فكان جواب رسول الله عليه السلام أن أسمعه آيات من أوائل فصّلت حتّى انتهى إلى قوله تعالى: (فَإِنَ اَعْرَضُوا فَقُلَ اَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) (فصلت: 13)، فأمسك عتبة على فمه وناشده الرّحِم أن يكفّ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش.(1)

(1) -

٤٠ / ٦٬٢٠١