نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٦٠ولذلك نجد الرّسول هود قد قيّد الاستفهام الإنكاري: (أَتَبْنُونَ) قيّده بجملة: (تَعْبَثُونَ) مما يدلّ على أنه لا ينكر عليهم عملية البناء، بل ينكر أن يكون ذلك لمجرّد التّباهي والتّعاظم بالمقدرة والمهارة والغرور بفتنة الدّنيا.
ج) - (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ): والبطش هو الأخذ بالشّدة والعنف في كل شيء، أي أنكم تعاملون غيركم بالغلظة والقساوة، فيختل بذلك ميزان العدل، ويعمّ الظّلم والفساد؛ لأن العقاب يجب أن يكون مناسبا للذّنب، وكل إفراط في ذلك فإنه يفضي إلى البغي والجبروت.
وها هو رسولهم هود عليه السلام بعد إنكاره على قومه تلك الصّفات الثّلاث، يفرّع عليه تذكيرهم بتقوى الله ويقول: (فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ)، وقد كرّر أمرهم بتقوى الله؛ لأن ذلك أدعى لتخويفهم واستنزال طائرهم من الغرور والافتتان بالدّنيا، لأن الله الذي وهب لهم تلك الفراهة في الأجسام قادر على أن يسلبهم إياها ويسلّط عليهم غيرهم.
ثم أخذ يذكرهم بنعم الله الكثيرة عليهم ويقول: (وَاتَّقُواْ الذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، اِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ):
عطف الأمر بالتّقوى هنا على نظيره في الجملة السّابقة، وجيء بعده بالموصول: (الذِي أَمَدَّكُمْ) للدّلالة على استحقاقه منكم صفة التّقوى وبأن تشكروه على ما أنعم به عليكم، أجمل في ذكر تلك النّعم: (أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ)؛ لأنها أشياء يحسّونها ويعيشون فيها، وهي من أسباب قوتهم التي طغوا بها إذ قالوا لنبيهم: (مَنَ اَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (فصلت:15).