نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٦١ثم أخذ هود عليه السلام يفصّل لهم تلك النّعم، فبدأ بالأنعام والبنين، وكلاهما من الرّغد والزّينة في الحياة الدّنيا، ثم أضاف الجنات والعيون لأنها منتجع لتلك الأنعام وموارد رزق ومتعة للبنين الذين هم مناط آمالهم وامتداد لذكرهم، فاشكروا الله الذي سخّر لكم كل ذلك حتى يديمها عليكم، وإن لم تفعلوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
إنه تحذير وإشفاق أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم نوح، وصف العذاب المتوعد به بالعظمة لما يقع فيه من الأهوال، قد يكون عاجلا أو آجلا، وهل من شأن المترفين الطّغاة أن يستجيبوا للناصحين؟ كلا!. أو لم يقولوا في السحاب الذي يحمل هلاكهم وهم سادرون في جبروتهم وطغيانهم، كما قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) (الأحقاف:24)؟.
وهنا يردّون على رسولهم في عجرفة واستكبار: (قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَآ إِلاَّ خُلُقُ الاَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّومِنينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
أرادوا أن يغلقوا أبواب الرّجاء لأي انصياع إلى الحق، أو اهتداء لما يدعوهم إليه رسولهم إذ سوّوا بين وعظه إياهم وعدمه.
والوعظ: هو التّذكير بما يلين قلب الإنسان إذ قد يكون الإنسان عالما بما يوعظ به، ولكنه ينسى أو يتناسى، فينبهه الواعظ، ولكن تعبير هؤلاء يدلّ على نوع من الاستهتار والجفوة المفرطة إذ استمروا على ما هم عليه من الكفر والعناد، معلّلين موقفهم بصيغة القصر: (إِنْ هَذَآ إِلاَّ خُلُقُ الاَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).