نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٧٢هدّدوه بالإخراج من مدينتهم؛ لأنه كان نزيلا عندهم -كما تقدم- وأكدوا تهديدهم بالقسم والتّوكيد حتى يتركهم وشأنهم مما استمرءوا من تلك الفاحشة الدّنيئة، ظنا منهم أنهم في حرية من أمرهم، وأن القضية كما تنظر إليها الحضارة الفاجرة اليوم تندرج في الحريات الشّخصية التي يحميها القانون ويفسح لها المجال في الممارسات الاجتماعية كغيرها. وإذ لم يأبه لوط بوعيدهم أغلظ الإنكار عليهم بقوله: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ)، أي من المبغضين له بغضا شديدا.
وفرق بين أن لا يعمل إنسان عملا قد يمنعه عن ذلك خوفه من كلام النّاس أو سلطة القانون أو أنه لا يجد حيلة إلى عمله، وبين أن ينقلع عن ذلك العمل لأنه يكرهه ويبغضه في فطرته وسجيته كما صرّح بذلك لوط لقومه، ولذلك نجده تبارك وتعالى يمتن علينا أن زيّن الإيمان في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان فقال جلّ من قائل في سورة الحجرات: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (7).
فلا مناص للوط أمام ذلك التّهديد من قومه إلا أن يضرع إلى مولاه أن ينجّيه من عقوبة تلك الفعلة الشّنعاء: (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ)، فاستجاب الله دعاءه: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، اِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ)، والرّبط بالفاء يدلّ على أن الاستجابة قد تمت فور توجهه إلى الله، إذ رتب له وسيلة النّجاة مع أهله ومن آمن معه، والعجوز المستثناة من النّجاة هي امرأة لوط، كانت ممالئة للقوم في فعلتهم الشّنعاء، إذ لم تؤمن برسالة زوجها فكانت من الهالكين كما قال تعالى: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الاَخَرِينَ).