نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٩١(فَتَوَكَّلْ): قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر بفاء التّفريع على قوله تعالى: (فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) تنبيها على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء، وتنصيصا على اتصال التّوكل بقوله: (اِنِّي بَرِيءٌ). وقرأ الجمهور: (وَتَوَكَّلْ): بالواو، وهو عطف على جواب الشّرط أي: قل إني بريء وتوكل.
د) - البيان والتّفسير:
بعد التّنويه بشأن القرآن العظيم وتنزيهه من مناوشة الشّياطين، وأنه الآية العظمى لصدق نبوءة رسول الله، أرشده الله للمنهج القويم في التّبليغ والرّسالة، بأن يبدأ في دعوته بالأقرب فالأقرب، وأن يخفض جناحه للمؤمنين، ويعلن براءته من العاصين، متوكّلا على الله وحده، إذ هو راعيه وكافله فقال جلّ من قائل: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا -اخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).
توجيه الخطاب إلى الرّسول بنهيه عن أن يتخذ مع الله إلها آخر، لا يعني أنه -حاشاه- قد فعل ذلك فجاء الوحي لينهاه، وإنما هو رسم لبداية التّكليف بصفته مبلّغا عن الله، إذ هو القدوة والمثل الأعلى لغيره؛ ولأن قضية التّوحيد لها الأوّلية والأفضلية في كلّ الرّسالات السّماوية، فلا محاباة فيها لأحد، وإن كان معصوما من رسل الله؛ لأنّ التّأكيد عليهم في هذه القضيّة الحسّاسة يكون أدعى لإصغاء النّاس إليها واهتمامهم بها، وقريبا من معنى هذه الآية قوله تعالى: (وَلَقَدُ اوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزّمر:65).
ثم توجّه الأمر الإلهي إلى قرابة الرّسول وهم أولى النّاس بسماع دعوته فقال تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ).