نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٩٢

بعد أن بيّن الله مهمته العامّة في إنذار كافة النّاس بقوله: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)، خصّص هنا جزءا من تلك المهمة في إنذار عشيرته الأقربين؛ لأنّ ذلك أدعى إلى الطّاعة والقبول من غيره، وتخصيص الأمر بالإنذار لهم حتى لا يعتقدوا بأنهم في منجاة من سخط الله وغضبه، لأنهم أقرباء من الرّسول النّذير، وقد طبّق الرّسول هذا الأمر كما تذكره الرّوايات المختلفة، منها ما رواه الشّيخان من حديث عائشة وابن عباس، أنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) قام رسول الله على الصّفا فدعا قريشا فجعل ينادي: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا».(1)

ولكون المؤمنين هم قوام الدّعوة وملاك أمرها فقد أمر الله رسوله بالتّواضع واللّين لهم فقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُومِنِينَ)، وخفض الجناح كناية عن التّواضع ولين الجانب، ولم يوص الإسلام بذلك إلا للوالدين بصفة خاصة فقال في شأنها: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء:24).، وللمؤمنين الأوفياء بصفة عامّة كما ورد في هذه الآية، وآية سورة الحجر.

وقوله تعالى: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُومِنِينَ) لتعظيم شأن الإيمان فهؤلاء الأتباع وإن كانوا في الواقع من ضعفاء القوم يعاملون بغلظة وقساوة من طرف الكبراء والسّادة، فهم مستحقّون لذلك اللّين وتلك المعاملة اللّطيفة لأجل إيمانهم، لأنّ ذلك أطيب لنفوسهم وأوثق لرابطتهم.

(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (2) الإيمان، باب (91) في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، رقم 525.

٣٬٩٤٣ / ٦٬٢٠١