نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٩٣

بينما الذين يعصون من الأقارب ومن غيرهم فليس لهم إلا التّبّرؤ والإنكار عليهم: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ)، لأنّ عصيان رسول الله كفر، والمؤمن لا يتولّى الكافر ولو كان قريبا منه، وقد انصرف التّبرؤ إلى عملهم الشّائن حتى ينقلعوا عنه، ويجب أن يعلن بتلك البراءة حتى يرتدع بذلك غيرهم، ولا يخشى الدّاعية في ذلك عواطف النّاس؛ لأن له من الله العون والتأييد، ولذلك جاء قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

في لحظات الحرج والضّيق من مكر النّاس وإعراضهم عن الحق، يكون الدّاعية في حاجة ماسّة إلى تلك القوة الرّوحية التي تصله بمولاه القويّ العزيز يستمدّ منه العون، ويفوّض الأمر إليه فلا ينكسر خاطره بقلّة الأنصار ولا يخشى خذلان الأتباع، فرسول الله في ضمان نصر الله وتأييده لا يقلّ عن رسل الله حظّا ومكانة في ذلك، بدليل الإتيان بالصّفتين المختارتين للذات العلية وهنا: (الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) للتّعقيب على كل قصة من قصص النّبيّين السّابقة، فهو العزيز الذي لا يقهر، وهو الرّحيم بعباده في تدبير شؤونهم، ثم إنّه تعالى يغمر رسوله بفيض من أنسه وقرباه إذ يكون معه في صلاته بجوف اللّيل منفردا أو في جماعة المصلين منقلبا في حالات من الخشوع والتّبتل، فهو في كنف ربّه وفي جواره يرعاه ويسمع دعاءه ويعلم أحواله، وأحوال الخلائق كلها.

وبعد هذه الإرشادات التي ترسم طريق الدّعوة وتضع منهجيتها تجيء الجولة الأخيرة من السّورة الكريمة عودا على بدء في التّنويه بشان القرآن بالرّد على شبهات المشركين وادعاءاتهم الباطلة فقال جلّ من قائل: (هَلُ اُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ اَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).

٣٬٩٤٤ / ٦٬٢٠١