نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٠٩وقد جاء هذا الاستثناء بصيغة العموم ليضع القاعدة العامة لجميع المؤمنين في وجوب المسارعة إلى التّوبة وعمل الصّالحات بعد الذّنب المرتكب، ولذلك يرى بعض المفسّرين أن الاستثناء منقطع فيكون بمعنى "لكن".
ثم يأمر الله موسى بإجراء المعجزة الثّانية: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ اِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
أمره الله بأن يُدخل يده في فتحة قميصه العليا من الرّقبة -وكان موسى أسمر اللّون- غير أنّ اليد تخرج من الجيب بيضاء منوّرة، واحترازا من ظنها مصابة بمرض البرص قال تعالى: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)، فهذه معجزة ثانية، تدرّب عليهما موسى بحضرة ربّه، وهما آيتان من تسع آيات أخرى، وقوله: (اِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) إيذان من الله بإرساله إلى فرعون وقومه، والآيات التّسع مذكورة في النّصوص الأخرى وهي: العصا، واليد، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضّفادع، والدّم، والجدب، ونقص من الثّمرات. فهل كفكفت تلك الآيات من غلواء فرعون وجبروته؟.
قال تعالى: (فَلَمَّا جَآءَتْهُمُ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
يطوي النّصّ مشاهد وأحداثا مما هو مفصّل في سور أخرى لينتقل إلى بيان العبرة من مواقف الطّغاة المستكبرين، وأنهم مهما وضحته لهم الآيات حتى لكأنها هي المبصرة لشدة وضوحها، وقد توالت عليهم الواحدة تلو الأخرى، فجحدوا بها علنا بألسنتهم ووصفوها بأنّها سحر فتن أعين النّاس، ولكنهم في دواخل أنفسهم يدركون أنّها الحقّ، ولا سبيل لإنكارها، ولكنّه الظّلم والعناد لأجل استبقاء نفوذهم وسيطرتهم، كما فعل المشركون بدعوة رسول الله.