نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ١٣٦فإذا بأحد مستشاريه، وعنده علم من الكتاب، هكذا يبرزه النصّ بهذا الوصف دون بيان لنوعية ذلك العلم ولا للكتاب الذي يستمدّ منه تلك القوة الخارقة، إذ تكفّل أن يحضر العرش في طرفة العين، وأيّا كانت نوعية ذلك العلم أو الكتاب الذي يستمدّ منه، فإن الحدس والتّخمين في كشف تلك الأسرار الغيبية كما دأب عليه بعض المفسّرين، هو ضرب من التّعسّف في الأخذ بما يسمّى بالإسرائيليات، والله وحده هو الواهب القادر، وهو الهادي من يريد إلى معرفة بعض تلك الأسرار، وليس الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان نفسه كما رجّح بعض المفسّرين، ولو كان هو الملك الرّسول. وما قصة العبد الصّالح مع موسى عنا ببعيدة إذ آتاه الله من العلم اللّدنّي ما لم يؤته موسى عليه السلام.
والذي يستوقفنا في هذه اللّقطة هو تعظيم مكانة العلم وترجيح كفّتها على القوّة التي بيد العفريت من طبيعة خلقته، وهكذا تحققت تلك المعجزة لسليمان فحضر لقصره عرش بلقيس بتلك السّرعة بقدرة الله.
وما قوّة الجانّ، وما الذي عنده علم من الكتاب إلاّ وسيلة ظاهرية في إدراكنا المادي، ولذلك بادر سليمان عند رؤيته للعرش مستقرا أمامه بادر بتقديم الشّكر لله: (فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
إنها الإشراقة النّبوية تهزّ كيان سليمان وهو يرى نعمة الله عليه كيف سخّر له كلّ ما يحقّق مطلبه من عزّة الملك وقوّة السّلطان، لا ليتعالى ويتعاظم أمام الملوك أمثاله، ولكن ليتخذ ذلك وسيلة إلى دعوتهم لدين الله القويم ونبذ الشّرك والظّلم، وهو يستشعر أنّ ذلك الفضل من الله عليه هو ابتلاء ضخم يفوز فيه ليكون شاكرا لله، أو يخسر حين يكفر نعمة الله.