نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ١٩٧

بعد أن ذكر الله منته على المستضعفين في الأرض، وكان بنو إسرائيل على أرض مصر من جملتهم، أخذ يبيّن في هذه الآية المشهد الأول من حياة منقذهم ورسولهم موسى عليه السلام، فقد أبصر نور الحياة وليدا في حضن أمّه وهي خائفة من اكتشاف أمرها لعيون فرعون، وشفرة الذّبح في أيديهم، وهم يريدون أمرا ويريد الله غير ذلك، فإذا بالعناية الإلهية تلقي في روع الأمّ المشفقة على وليدها، بطريق الإلهام أو بوسيلة الرّؤيا الصّادقة، وهما من معاني الوحي التي ورد ذكرها في القرآن كقوله تعالى:

أ) - (وَإِذَ اَوْحَيْتُ إِلىَ الْحَوَارِيِّينَ أَنَ -امِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي) (المائدة:111).

ب) - (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) (النّحل:68).

ثم يبيّن الله مضمون ذلك الإيحاء بقوله: (أَنَ اَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، فيا لروعة هذا المضمون في مبناه ومعناه، إنه يشتمل على أمرين ونهيين وبشارتين، ويا للمفارقة بين الأمرين: الأمر بإرضاع الوليد، وهو المهمّة الطّبيعية للأمّ لا تجد أيّ عناء في تحمّلها، ولكن ذلك لا يتأتّى لها إلاّ في حالة الأمن على وليدها، فإذا خافت عليه فإن إلقاءه في اليمّ هو وسيلة نجاته من القتل، واقتصر الشّرط على مطلق الخوف على الوليد من أي شيء يضرّه، ثم يجيء جواب الشّرط مفجعا لقلب الأمّ لأنّه في الواقع عند النّاس هو الهلاك المحقّق للوليد، ولكنّه عند الله حفظ وأمان للوليد، ومكر وانتقام للظّالمين، ولكي تطمئن الأمّ على وليدها نهاها الله عن الخوف والحزن، إذ تتوقّع أن يصاب وليدها بمكروه وتحزن على فراقه، ولزيادة تطمينها أردف الله لها بشارتين: إرجاع الوليد إليها لتكون هي مرضعته، وذلك في عاجل أمره، وأن يصطفيه رسولا إلى فرعون وإلى قومه في الآجل.

٤٬٠٤٨ / ٦٬٢٠١