نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١٠٢قلت: إن النّصّ القرآني في سورة المائدة لم يرد فيه قيدٌ لأهل الكتاب أن يكونوا تحت سلطة المسلمين أو خارجها، كما أنّ الله ذكر في نفس السّورة فكرة التّثليث عندهم وقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وشاءت حكمة الله ولطفه بعباده أن تبقى آية المائدة على عمومها ليجتهد العلماء في كلّ زمان ومكان في مراعاة الظّروف والأحوال التي يكون عليها المسلمون مع أعدائهم التّقليديين من اليهود والنصارى، فيحكمون على أساس ذلك بالحرمة أو الكراهة أو بالجواز في ما يخصّ زواج المسلم بالكتابية. أمّا زواج المسلمة بالكتابيّ ففيه المنع إجماعاً، لأنّ الأمر يختلف بين الرجل والمرأة في قوامة البيت.
فإذا كان الصّحابة والأئمة قد اختلفوا في هذه القضيّة يوم كان الإسلام في عزّة وقوّة، فكيف بعلمائنا في هذا الزّمان النّكد الذي طغت فيه حضارة أهل الكتاب على ما فيها من فسوق وفجور واستعلاء على المسلمين واستخفاف بقيمهم ومقدراتهم؟ إنّها حقّاً لوضعيّة مزرية تقتضي اجتهادا آخر وقد رأينا حالة الأسرة المسلمة في المهجر، يقول سيّد قطب في هذه الوضعية: "ونحن نرى اليوم أن هذه الزّيجات شرّ على البيت المسلم، فالذي لا يمكن إنكاره واقعيّا أنّ الزوجة اليهودية أو المسيحية أو اللاّدينية تصبغ بيتها وأطفالها بصبغتها، وتُخرج جيلا أبعد ما يكون عن الإسلام وبخاصة في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه، والذي لا يُطلق عليه الإسلام إلا تجوّزاً في حقيقة الأمر، والذي لا يمسك من الإسلام إلا بخيوط واهية شكلية تقضي عليها القضاء الأخير زوجة تجيء من هناك".(1)
ولذلك يعلّل الله ذلك النهي بقوله: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِى وَيُبَيِّنُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون).
(1) 1 – سيد قطب، في ظلال القرآن، 2/ 186.