نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٧

لقد ذاع في المدينة خبر قتل القبطيّ، وكان من الطّبيعي أن يتوجّس القاتل خيفة من النّاس، ولو تيقّن بمغفرة ربّه، ولا بدّ أن يكون وجود موسى في المدينة مع الفعلة التي فعلها يكون وجودا عاديّا من عامّة النّاس، وقد قطع كلّ صلة بالقصر الفرعوني، ولهذا كان في حالة نفسية منفعلة من خشية افتضاح أمره، فإذا بالقدر يضعه أمام امتحان آخر شبيه بما وقع له بالأمس، إذ استصرخ به ذلك الإسرائيليّ -مرة أخرى- يطلب منه النّصرة على قبطيّ آخر، ولكن موسى لم تبارح ذاكرته حادثة الأمس ولا خاس بالعهد الذي قطعه على نفسه فقال لصاحبه الإسرائيليّ: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ)، وصفه بالغواية والتّحريش بإثارة الفتن الجانبية، وما حيلة موسى أمام ذلك التّحرش المهين وهو يرى الظّلم المتكرر على بني قومه، ونظرا لشخصيته الانفعالية حاول مرة أخرى أن يبطش بالقبطيّ كما فعل بالأول غير أن هذا بادره بقوله مستنكرا: (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالاَمْسِ).

لقد أدركت عناية الله موسى فامتلك غضبيته وعلم من قول القبطيّ أن قصة قتله للقبطيّ الأولى قد ذاع خبرها، وأنّ السّلطات الفرعونية ممسكة به -لا محالة- فيزداد خوفا وتوقعا بالانتقام، سيما وأن القبطيّ قد أضفى عليه تلك الأوصاف من الجبروت والفساد في الأرض -وذلك بالطّبع من الوجهة السّياسية-، أي بنظرة الحاكم وأشياعه إلى كلّ متمرّد عن حكمه بأنّه إرهابيّ مفسد. وإذ بلغ الخبر قصر فرعون فكيف توالت رعاية الله لموسى؟، ذلك ما نبيّنه في المشهد اللاحق.

(وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجِ اِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

٤٬٠٥٨ / ٦٬٢٠١