نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10

الجزء ١٣ · صفحة ٢١٤

قلت: لقد قرأت تعليلا معقولا لسيّد قطب في ظلاله يرجّح به أنّه ليس هو بشعيب النّبي، وخلاصة تعليله أنّ شعيبًا شهد مهلك قومه، ولم يبق معه إلاّ المؤمنون به، فلا يمكن لهؤلاء المؤمنين أن يسقوا قبل ابنتي نبيّهم الشّيخ الكبير، إذ ليس ذلك بسلوك قوم مؤمنين، ثم لو كان هو شعيبًا النّبيّ لسمعنا صوت النّبوءة في شيء من هذا مع موسى، وقد عاش معه عشر سنوات.

أيّا كان الشّخص، فهو يبدو من خلال النصّ أنّه قد حنّكته الشّيخوخة، إذ لم يتردّد في تلبية رغبة البنت، التي لم يحدّد النصّ أهي الذّاهبة عند الظّل لدعوة موسى، أم هي الأخرى؟، وإن كان وصفها له بالقوّة والأمانة يوحي بأنها التي ذهبت إليه لما يمكن للطبيعة الأنثوية أن تثير من الميل العاطفي نحو ذلك الشّاب الغريب الذي يمتاز بالقوّة والأمانة. وندرك حنكة الأب وحزمه في ذلك الموقف الحسّاس وهو يحتضن في بيته شابا فاره القوّة يتردّد على ابنتيه في كلّ وقت، فلا بدّ -إذن- من علاقة شرعية بينه وبين إحداهما حتى يزيل عنه الحرج، فليكن هو الزّواج الشّرعي بكلّ ما يتطلبه من مهر وشهود وقبول ورضى، وتقول الرّواية أنها الصّغرى.

اقترح الشّيخ أن يكون مهر ابنته إجارة موسى عنده لرعي أغنامه لمدة ثماني سنوات، ثم خيّره في زيادة سنتين إن شاء أكملهما دونما إعنات ولا إلزام، ثم عاهده على حسن المعاملة ولطافة المعشر، وهو في ذلك مستند إلى مشيئة الله وإرادته.

وتأتي إجابة موسى واضحة في أدقّ بيان وأكمله مما يُشترط في التّعاقد، فالمهر محدّد بنوعية العمل وبمدّته لثماني سنوات هي الشّرط الملزم، أمّا التّكملة فله الخيار فيها دونما عدوان ولا قهر على الأجير. وروي عن ابن عباس قال: "قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فعل"(1)، كما تقتضيه سماحة النّبوءة.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث سعيد بن جبير، كتاب (56) الشهادات، باب (28) من أمر بإنجاز الوعد، رقم 2538.

٤٬٠٦٥ / ٦٬٢٠١