نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢١٧(جِذْوَةٍ): هي مثلثة الجيم، قرأها الجمهور بكسر الجيم، وقرأ عاصم بفتحها، وحمزة وخلف بضمّها، وهي العود الغليظ، قيل: مطلقا، وقيل: مشتعلا. (الرَّهَبِ): قرأ الجمهور بفتح الرّاء والهاء، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بضم الرّاء وسكون الهاء، وقرأه حفص عن عاصم بفتح الرّاء وسكون الهاء، وكلّها لغات فصيحة. (فَذَانِكَ): قرأه الجمهور بتخفيف النّون على الأصل في التّثنية، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بتشديد النّون، وهي لغة تميم وقيس. وعلّلها النّحويون بأنّ تضعيف النّون تعويض عن الألف من "ذا" و"تا" المحذوفة لأجل صيغة التّثنية.
د) - البيان والتّفسير:
كلّ ما تقدّم من المشاهد في قصّة موسى عليه السلام منذ ولادته ورعاية الله له في قصر فرعون، وكيف بلغ أشدّه واستوى وامتحن في قلب المدينة بقتل النّفس ليصبح خائفا يترقّب، ثم بنصح من الرّجل المؤمن يخرج من المدينة خائفا مستخفيا ضارعا إلى مولاه ليهديه سواء السّبيل، فيتّجه صوب مدين طريدا جائعا بدون راحلة ولا زاد، وشاءت قدرة الله أن يجرّ إليه ذلك المعروف الذي صنعه في ابنتي شيخ مدين الكبير وتربطه بمصاهرته الحميمة، ليتحوّل بعد نعيم القصر إلى شظف العيش في صحراء وديعة آمنة راعيا للغنم بكلّ ما تقتضيه تلك المهنة من عناء ومشقّة في كنف زوجية هنيئة وبيت كريم في فترة من مرحلة عمره حسّاسة جيّاشة بنبل الأحاسيس وتفاعل المشاعر، كلّ ذلك كان إرهاصا ومقدّمات هيّأتها يد القدرة لموسى ليُصنع على عينيها، ويتهيّأ للنّداء العلوي الذي تجاوب معه الكون ذات يوم، وهو عائد بأهله من مدين إلى مصر، بعد أن تهيّأت شخصيته الرّسولية للتّلقّي.
تُرى، ما الذي حرّك في نفس موسى لواعج الشّوق إلى المنزل الأوّل حيث مربّوه على ما عرفوا به من جبروت وطغيان، وحيث قومه من بني إسرائيل على ما مردوا عليه من ذلّ وهوان؟، يقول الشّاعر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزل