نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٤بعد أن تشرّف موسى برسالة ربّه، وتعزّز جانبه بمعجزتين، ليذهب بهما إلى فرعون الطّاغية داعيا إياه إلى الإقرار بألوهية الخالق، تذكّر في ذلك الموقف ما صدر منه من القتل للقبطيّ قبل خروجه من مصر وذهابه إلى مدين، تذكّر ذلك وهو في حضرة ربّه يكرّمه بنوره ورعايته، فطلب منه العون والتّأييد بما يقوّي قلبه ويساعده في أداء مهمّته الشّاقة، بإرسال هارون معه وزيرا؛ لأنّه أفصح منه لسانا في الحوار والمحاجّة.
قال تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَّقْتُلُونِ، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدًا يُصَدِّقْنِي إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُّكَذِّبُونِ). لم يقل موسى ذلك لربّه اعتذارا أو خوفا من تحمّل المسؤولية كما اتهمه اليهود بذلك، فبرّأه الله مما قالوه، وإنّما هو الإشفاق والحذر من ضياع الرّسالة، وهو الاحتياط المطلوب في مثل تلك المواقف الصّعبة، ويفصح عن ذلك بقوله في سورة "طه": (رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَّفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوَ اَنْ يَّطْغَى) (45). وهنا يبادر موسى بطلبه من الله أن يؤيّده بأخيه هارون، ويظهر ميزته بفصاحة اللّسان، وهو السّلاح المطلوب في الإفصاح عن الدّعوة وبيان مضامينها، فهو يعرف عن أخيه ما لا يعرفه عن غيره، ولذلك عيّنه بشخصه ليكون مساعدا له، وليكون موسى هو الأصل في تحمّل المسؤولية بحيث يكون أخوه هارون ببيانه وفصاحته سببا في تصديق فرعون، ولذلك زاد تعليلا لطلبه بقوله: (إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُّكَذِّبُونِ).
فلموسى -إذن- مخافتان دفعتاه إلى طلب المساعدة بأخيه.
الأولى: مخافة القتل في الأخذ بثار القبطيّ.
الثّانية: مخافة التّكذيب للدعوة لما له من العقدة في لسانه كما بيّنته سورة "طه".