نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٠(أُوْلَئِكَ يُوتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمُ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ):
أراد الله أن يرسم صورة وضيئة ممتازة لهذا الصّنف من مؤمني أهل الكتاب، فأشار إليهم بما يرفع منزلتهم عند الله وعند النّاس، أشار بإشارة البعيد: (أُوْلَئِكَ)؛ لأنّهم جديرون بتلك الأوصاف التي وصفهم الله بها، فبدأ بالجزاء الأخروي؛ لأنه الباقي الخالد، وهو أغلى الأماني لدى المؤمنين الصّادقين.
(أُوْلَئِكَ يُوتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا): إنه جزاء الصّبر على مفاتن الدّنيا والاستعلاء على رغبات النّفوس، والصّبر على أذى الطّغاة المنكرين، فلهم الأجر الأوّل على الإيمان والوفاء لكتابهم من توراة أو إنجيل، ولهم الأجر الثّاني على الإيمان بالقرآن، وليس سهلا على من كان على دين آبائه وأجداده أن ينتقل إلى دين جديد، سيما إذا كان رسوله من غير قومهم، علما بأنّ أغلب اليهود والنّصارى ما كفروا بمحمد إلاّ لكونه عربيا ولم يكن من جنسهم كما كانوا ينتظرون: (فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة:89).
وقد امتدح الله هذا الصّنف المؤمن من أهل الكتاب في كثير من الآيات مثل قوله تعالى:
أ) - (وَإِنَّ مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُّومِنُ بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ) (آل عمران:199).
ب) - (ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) (المائدة:82 - 83).