نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 10
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٩فعلى طريقة القرآن في المزاوجة بذكر أحوال الذين آمنوا والذين كفروا يأتي هذا الاستئناف البياني بذكر أحوال طائفة من أهل الكتاب، أتوا لرسول الله فرادى وجماعات فآمنوا به وصدّقوه، وقد وردت روايات تحدّد أعدادهم وموطنهم، فقيل: إنّهم نصارى نجران، ممن ورد ذكرهم في سورة آل عمران، وقيل: إنهم الوفد الذي بعثهم النّجاشي جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب، ومن الأفراد: سلمان الفارسي، وصهيب الرّومي، وعبد الله بن سلام، وغيرهم. فأيّا كانوا، فهم جماعة من أهل الكتاب الأوفياء من اليهود والنّصارى، سمعوا برسول الله فجاؤوا وجلسوا إليه يستمعون القرآن، فعرفوا أنّه الحقّ من عند الله وآمنوا به على مشهد من كفّار قريش، فآذوهم لذلك وشتموهم، فصبروا على ذلك، فوصفهم الله بحميد الخصال وجعلهم نموذجا للنفوس الطّاهرة كيف تتلقّى القرآن وتعلم أنّه الحقّ من عند الله.
فقوله تعالى: (مِن قَبْلِهِ) الضّمير يرجع إلى القرآن المفهوم من قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ)، وكذا في قوله: (هُم بِهِ يُومِنُونَ)، وقد يراد به الإيمان برسول الله، واختيار صيغة المضارع: (يُومِنُونَ) للدّلالة على استمرارهم في الإيمان ورسوخه في نفوسهم.
(وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ)، فهم يعرفون حقّية القرآن وصدقه بمجرّد تلاوته عليهم، عرفوه من خلال ما عندهم من الكتاب، بأنّه سيجيء رسول مصدّق لما بين أيديهم، فتبيّنوا أنّه الحقّ الذي يصدر من مشكاة واحدة، وكانوا مصدّقين بدين الله الذي جاء به رسل الله كلّهم، وما زادهم سماعهم لآيات القرآن إلاّ يقينا وثباتا على إيمانهم، فما هو جزاء هؤلاء عند الله؟، وما هي الصّفات الغالبة عليهم؟.